معزوفات على الجرح اليساري

(1)
تأكلُ الحرةُ نهديها إذا جاعت
وفي حيِّ المجاعةْ
طفلةٌ شبَّتْ وما ذاقتْ رضاعةْ
حرةٌ أمٌ لها .. ما ذنبُها
لم تنلْ منها المناعَةْ
عضَّت النهدينَ من جوعٍ ولكنْ
خضَّب الفخذين فرسانُ الإذاعة
-2-
حارَ تجارُ العبيدْ
في احتكاراتِ الهواءْ
خصمُها عالٍ بعيدْ
يحرسُ الأجواءَ من فخِّ الرُعاعْ
إنَّهُ النسرُ العنيدْ
شامخٌ وسْطَ الشعاعْ
هائمٌ في اللاحدودْ
مرةً عبْرَ الرعودْ
أرسلوا برقاً سفارةْ
أقنعوه بأنَّ ريشَ النسرِ رمزٌ للخلودْ
طالبوهُ بأنْ يجود
كي يعينَ المكرَ في صنعِ الحضارةْ
فهو سبعُ الجوِّ معطاءٌ جسور ..
بضعُ ريشاتٍ صِغارْ
لم يفكرْ حينَ أهداها إلى الصيادِ
معتداً على هامِ الغرورْ
أنَّها وسْطَ الجناحْ
مثلُ مجدافٍ على موجِ الأثيرْ
وهي في القوسِ طعانٌ للصدورْ
آهِ ما أقسى ارتطام الرأسِ في صلدِ الصخورْ
مدركاً بعد الفَواتِ
نادماً .. فالسهمُ من ريشِ النسور
-3-
كانَ مدُّ البحرِ يبغي صادقاً
غسلَ الرمالْ
كم بكى كالطفلِ مذبوحَ النداء
أن أزيحوا زائفَ الأمواجِ ..
والماءَ الملوثَ بالغباءْ
غيْرَ أنَّ البدرَ جاء
دافعاً تيارَهُ المحمومَ للشطِّ انطفاءْ
كانَ مدُّ البحرِ يبغي صادقاً غسْلَ الرمال
ذاهلَ الأمواجِ أرداهُ القِتال
جزْرُهُ إعلانُ خاسِرْ
جارُهُ الميناءُ ما نفعُ النقاءْ
عادَ وسْطَ البحرِ حائرْ
تاركاً جرحاً عميقاً في الرمال
من نفاياتِ البواخرْ
-4-
قال لي عرّافُ هذا العصرِ تأتيكَ
العصافيرُ اندفاعاً رائعا
كالحبِّ أسراباً يهاجِمُها صقيعُ
الزيفِ باسمِ الانتماءْ
تُجمَعُ الأطيارُ غيماً شامخاً بالحزنِ
موصولاً بتلِّ الرفضِ يهمي
في المساءْ
من هدايا الأهلِ والأصحابِ أشلاءً
وريشاً .. ودماءْ
يصبحُ الغيمُ المُعاني من دُوارِ البحرِ
والتشريدِ ميراثاً لتُجّارِ الضحايا
والعصافيرُ سبايا
قالَ لي عرّافُ هذا العصرِ :
تضطرُّ العصافيرُ التي فاضت
دِماها في المراعي
خيفةً أن تحتمي من مُديَةِ الأحبابِ
في وكرِ الأفاعي
فاحذروها
قلتُ للعرافِ: لكنَّ الأحبةَ مزَّقوها..
قالَ : مَنْ يدري بثوبِ العتمِ من كانَ الخؤون
والحسابُ لِمن يكون
دعْ غلاةَ القولِ تبكي في القصائدْ
إنَّهُ الشوطُ الأخيرُ فلا تُعاندْ
رفَّةُ الطيرِ انتهتْ عِنْدَ الغِياب
دونَكَ الجلدُ المُحايد
فالخؤونُ بألفِ عين
أنتَ لا تدريهِ .. أين؟
أنتَ لا تدري الملامحَ واليدين
كيفَ ترفَعُ عنكَ سيفَه؟
قلتُ للعرّافِ : سربُ الحُبِّ
لا يخشى نزيفَه
سوفَ يدري قاتليه
من بقايا الريشِ فوقَ الشاربين
فجأةً ولى وفوقَ المقلتين
نظرةٌ حَيرى مُخيفة
لم نَعُد نَعرِفُ سرّاً بعدَها غيرَ إعلان
تثاءَبَ في صحيفة
( عُين العرّافُ في الليلِ وزيراً للحِلاقة ) ..
واختفى الشاربُ من وجهِ الخليفة
-5-
أنتَ موقوفٌ .. ويتلو الببغاءْ
تهمةَ التشهير .. والدسِّ المسيسِ
والدهاء..
ماتَ أطفاليَ جوعاً
ما هوَ الذنبُ الذي أبديتُ إنْ كانَ العزاءْ
يفضحُ الأسيادَ تجارَ الدماءْ
قيلَ : ذاكَ المأتمُ المحزونُ تشهيرٌ ..
أطلتم في الرثاءْ
أدفنوا أمواتَكمْ صمْتاً
وغنّوا للخليفةِ بالدعاءْ
أوقفوا هذا الطنينْ
إنَّهُ رأسي وليسَ مخبرَ فيزياء
إنني أومنُ أنَّ المرءَ يردى
إنْ فصلتُم رأسَهُ عن جسمِهِ
لاينطقُ العنقُ الذبيح
فلماذا قيَّدوني مثلَ أرنبةٍ على لوحِ التجاربْ
رغمَ إقرارِ اعترافي
واستداروا مثلَ طلابِ المشافي
يزرعونَ الهمسَ في أذني فحيح
إنني ما زلتُ حيّاً نابِضاً لكنهم لا يسمعون
فجأةً وانشقَّ بابُ القاعةِ الصمّاءِ
خلْفَ المروحَةْ
وهتافٌ هزَّ صمتَ المشرَحَةْ
إنَّهُ حيٌّ وضجَّ الواقفون
قلتُ: جاءَ المنقذُ المرجوُّ وارتدَّ الخَطَر
أوقفوا عنّي النِصال
جمَّعتهم آلةُ التصويرِ والتفّوا لإصدارِ البيان
وأنا أرتجُّ صوتاً لاهِثا بينَ انطفاءِ النبضِ
والتخديرِ والموتِ المُكابِرْ
ثم ماذا عن نزيفي ؟؟
لم يُعيروني التفاتاً .. ثم حينَ الجلسةُ
العصماءِ طالت والتوى الجوعُ
تعشّوا برغيفي
ثم ماذا عن نزيفي .. والأكفِّ المُجرمة؟
كُدِّرَ الصحبُ وذو الجلدِ المُحايد
خدَّرتهُ الأوسِمة
صاحَ مأخوذاً بأسلوبِ الجِدال
أخرجوا هذا المشاغِب
إنَّهُ يسعى لإحباطِ النِضال
ثم عادَ إلى الجِدال
مرةً يخبو وأخرى مثلَ مطعونٍ يصيح
تابِعوا التحقيق..
فتِّشوا في الريح..
من تُرى شقَّ الجسد ؟
إصبعُ الجرّاح .. أم مِبضعُ التشريح..
باسمِهِ صكّوا نياشيناً وعملاتٍ جديدة
ودمي في الأرضِ مازالَ يسيح
-6-
أينَ هذا الركبُ يمضي ؟
والخُطا تحدو الخُطا للمنزَلَقْ
تاركاً في العينِ تسآلا وللتبخيرِ
نهراً عبّأتُهُ سواعدُ العمالِ مِن نضْحِ العرَقْ
غيَّروا الشاراتِ عندَ المُنعَطف
إنها أرضي ولن أغدوا بلوحاتِ المرورِ
إشارةً نحوَ الدروبِ السالِكة
عبوةٌ قلبي لنسفِ الصمتِ والتوقيتُ نبضي
وسْطَ حاناتِ التقافزِ بالتعرّي.. والتكيّاتِ
التي أعطت لقوّادِ المواني
أخضرَ اللونِ اسباحت شاطئَ
الحبِّ التماعَ الدمعَتين
ليسَ هذا الوَمضُ ومضي
ليسَ هذا الرفضُ رفضي
ثابتٌ لوني ويعرِفني النزيف
يا أحبائي عروسُ الضوءِ لا تُغري عيوني
بيْدَ أنَّ الزندَ مخضوبٌ وغِمدي دونَ سيف
إنَّني المجبرُ أنْ أختارَ بينَ الموتِ والحمّى
فقلتُ : السقمُ قد يُشفى
وأمّي لم تَزلْ تخشى شعاعَ
الشمسِ لا ترضى بغيرِ الطاعةِ العمياء
إنَّها شمسي وإنْ غابتْ بطعنٍ
فوقَ أحلامٍ وخِنجرْ
سوفَ تشرقُ في رغيفٍ طعمُه دمٌّ وزعتر
أنتِ أمي جئتُ كي ألثمَ كفَّكِ اليُسرى
وأرمي خِنجراً من كفِّكِ الأخرى
إنها شمسي وإنْ زادت هجيرَ المرحَلة
الِئَنَّ الشمسَ أضنتْ أعيني بالنورِ
أُعطي سادةَ الليلِ أمانا
لبِناءِ المِقصَلَة
يا أمَّنا لا تفرحي إنْ أسقطَ الرشاشُ
من كفِ المزارعِ مِنجلَهْ
أيُّ مجدٍ يتلاقى وانتصارِ السَفَلَةْ
(7)
حاسِبوني إنْ أكن أخطأتُ في سردِ النبأ
وارجموني إنْ يَكُنْ حتى نبيٌّ مِنكمو
قد عاشَ من دونِ الخطأ
قوِّضَ الجسرُ الحديد
حينَ غطَّاهُ الصدأ
( حِميرٌ ) تدري لهيباً ما السعير
فُرعِنت خطَّت لبلقيسَ المصيرْ
مأربُ الملكِ سَبأ
أيها الدربُ الذي أحيا هوانا
ثمَّ في قلبي وَطأ
إنَّني خطأُ الخطأ
عبْرَ عصرٍ لامتزاجِ اللونِ بالجلدِ المُحايد
عصرُ حرباءِ الهوية
أفقدتْنا نشرةُ الأخبارِ تحديدُ الإدانة
عِندما سُرِقَ البنفسَجْ
وخرجَنا للمروج..
عِندما سُحِقَ البَنفسج
واستعذْنا بالمُحقق
عِندما سُحِلَ البنفسج
لم نكن ندري أجئِنا كي نقاتِل
أم تُرانا نَتفرَّج
فجأةً والعينُ في اللصِّ تُحدِّق
طالبوا كفي بأنْ تومي اتهاماً للخِيانة
فلماذا حينَ فاحَ العطرُ مِن قصرِ المهانةْ
طالبوها أنْ تُصفِّق
ثم قالوا كانَ في رسمِ الأمانة
إنَّهُ عصرُ امتزاجِ اللونِ بالجلدِ
وتهجينِ الشِعار
أنتَ شبعانٌ برغمِ الجوعِ رغمَ الاحتضارْ
هكذا قالَ المُغنّي للأثير
أنتَ حرٌّ طالَما ما زِلتَ حيّاً تتنفس
لم يَنلْ بَعْدُ الهواءَ الاحتِكار
والرعيَّةُ تتمرَّس
غاضبٌ ؟؟ فاشربْ إذنْ ماءَ البِحار
قلتُ فرقٌ هائلٌ ما بينَ لونٍ ينضحُ الماءَ
ليسقيني .. ولونٍ يسرقُ الخصبَ ويرميني دَمار
لم تزلْ كالحبلِ تُرمى للغريقِ .. ومرةً
للشنقِ تجدُلُهُ المكائِد
أيَّها اللونُ المحايدْ
كُنْ بلونِ الليلِ يوماً أو توشَّحْ بالنهارْ
كيفَ تحديدُ الشروقِ مِنَ الغروب
والشمالُ الدائريُ هوَ الجنوب
ما الذي تبغيهِ مِن رقصِ المسيرِ المُتعرِّج؟
والمساحيقِ التي أخفتْ وقارَ الوجهِ
حتى بتَّ في الوعظِ تُهرِّج
مرةً وجهُ يهوذا
مرةً وجهُ يسوع
ثم آليتَ الرجوع عن مرايا الأقنِعة
حاضناً وجهاً محايد
فيهِ مزلاجُ التمدُّدِ والتقلُّص
وأنا الآنَ محاطٌ بالتردُّدْ
هل تُرى أشهرُ سيفي أم أصلي؟
وعلى وجهِكَ نصفانِ من نورٍ وظلِّ
واحدٌ وجهُ يهوذا .. آخرٌ وجهُ يسوع !
آهِ قلْ لي أيَّها الجلدُ المُحايد
هل تُرى أبصقُ في وجهِك ..أم أصلِّبُ في خشوع؟
(8)
سوفَ أحكي للزُهور
أنَّ في أقدامِ سربِ النحلِ إخصابَ اللقاح
لا ترُدي النحلَ غنّي يا أزاهيرَ الأقاح
وتعالي نستعيدْ
وجهَنا العِطريَّ والناريَّ والحبَّ المُباح
عندما تَغدينَ كوبا
ويصيرُ الشهدُ للنحلاتِ راح
سوف يرمي الطلُّ شالاً معلنا بدءَ الصباح
سوف أحكي للضِفاف
سرَّ تكوينِ المعاني
فهيَ للنهرِ احتضان
وهوَ للشطّينِ باني
يدفعُ الصخرُ المعانِدُ في مسيلِ النهرِ
ماءَ النهرِ نحوَ الالتفاف
أو يشقُّ الصخرَ قَسرا
باحثاً عن حُضنِ مَجرى
لا تُباديهِ الخِلاف
أو تقولي أنَّهُ حتَّ الأماني
في اندفاعِ الماءِ طمياً كالرعاف
في غدٍ تدرينَ آلامَ الشقوق
عِندما يأتي الجفاف
غيرَ أنَّ الصمتَ طال
وارتمى حلمُ البطولة
تحتَ أسيافِ الجِدال
بتُّ كالملدوغِ محموماً أهيم
صارخاً كالبدءِ في الكونِ السَديم
أيها الماضونَ خلفَ الأولياءْ
افتحوا الأجفانَ فالأفقُ ضِياء
عندها الكهّانُ مسَّتهم مهانة
شرَّحوني باللسان
وابتدا التشهيرُ بالثوبِ الملوَّنِ والخيانة
ورموني عندَ منعطفِ الطريق
نازفاً لكنَّ صوتي لن يموت
يا رفاقي الطيبين
إنني أستحلفُ الخفقَ الذي يُحيي جيادَ
النارِ للأفقِ الجديد
باسمِ ياقوتِ الوريد
باسمِ دهشات العيون
باسمِ فجواتِ اكتواءِ اللحمِ في وجناتِ ثائر
أُطفئت في جلدِهِ المشدودِ أعقابُ السجائر
باسمِ عشبِ الكبرياءِ الأنْبَتَتُهُ حروفُكم يوما
بجدرانِ السجون
والرحيلِ إلى أتونِ الذاكرة
من فقاعاتِ المحاليلِ التي تبدو
لطلابِ العلومِ بنفسجة
نحوَ تذويبِ المساماتِ العصيَّةِ
في اتقادِ الأنسجة
عندما يرتادُ طيفُ (الحلوِ)  في حوضِ الأسيد
باسمِ إيقاعٍ تنامى في السلاسلِ والحديد
باسم سعيد
لا تموتوا يا رفاقي الطيبين
هلْْ تُراكم تذكرون
كيفَ ردَّدنا اليمين
نحنُ من يبني الطريق
في حقولِ النورِ والفجرِ الطليق
جيلُنا الآتي له دورُ الحِراثة
أيُّ أرثٍ يبتغي الأطفالُ منا ؟
إن شُغِلنا يومَ تخزينِ العزيمةِ بالولائمِ والشتائم
والخَوابي طَحلَبت فيها عفوناتُ البذار
افتحوا الأجفانَ كُرمى للصِغار
إنَّهم حبلُ الإغاثة
صدِّقوني إنْ بقيتمْ مُغمضين
سوفَ يأتي الجيلُ أعمى بالوراثة
********

النصب

حزينٌ وسْطَ أفراحِ السكارى
يملأونَ الكأسَ من جفنيكَ
يُضحِكهم ترهلُ عينِكَ اليُسرى
من الرمدِ
وينفجرونَ قهقهةً لوقعِ حديثِكَ الجدّي
باللثغِ المخَلَّفِ من ليالي
القهرِ والصعقاتِ بالتيارِ
يرتاحونَ أن يعلو رنينُ
الآهِ من شفةٍ مدلاةٍ من
اللكماتِ ... يجذِبُك الأميرُ
فترتمي أرضا.. يصبُّ عليكَ
خمرَ المدحِ تنسى سورةَ الكَمَدِ
ويعبثُ سامرٌ في الشربِ في حدْبٍ
نماهُ السجنُ في ظهرِك
فيقترحونَ نصبَ الحدْبةِ المنزافِ تمثالا
يدرُّ الخيرَ عبْرَ تسولِ الأسيادِ باسمِكَ
واحتراقك قربَ عرشِ الكبرياء
فتستهوي عيونَ العابرينَ
هوايةَ السواحِ في التصويرِ
عندَ مقابرِ البلدِ
وتُحمَلُ بعدَ سُكرِ الصحبِ فوقَ صحائفِ
الأنباءِ مصلوباً على  خبرٍ رئيسيٍ
لتغرسَ في حقولِ الشمسِ فزّاعة
وترضى ذلَّ منصِبِكَ الجديدِ
فأنَت الآمرُ الناهي بهذا الجردِ
تخشاكَ العصافيرُ ..
انتفضْ يا أيها المسحوقُ
ما تحميهِ للأسيادِ مزرعتُكْ
بها زرْقُ الطيورِ نجومُ كتفيكَ التي
تهوى ومِن تبويلِها
في الصدرِ أوسمتُك
أزاحوا حدْبةَ الألمِ
وخاطوا الظهرَ محنيّاً ..
وصبّوا دافقَ الإسمنتِ فوقَ الساقِ والقدمِ
فكيفَ اليومَ تسري في صحارى الجوعِ
والحرمانِ ياجملاً بلا سَنَمِ .

موت بنلوبي

أحداقُكمْ .. متسائلةْ
الجوعُ صهرُ بيتِكمْ
والقهرُ ربُّ العائلةْ
أحداقُكمْ.. متسائلةْ
من أينَ مرَّ البرقُ ليلَ البارحة؟
المُهرُ كانت جامحةْ
والومضُ في السكينْ
الجرحُ في حلوانْ
والنزفُ في حِطينْ
من أينَ مرَّ الحزنُ ليلَ البارحة؟
والنارُ في الأجفانْ
الموتُ في اليرموكْ
والقبرُ في لبنانْ
من يشعلُ النيران؟
من يشحذُ السكين؟
صُراخُكم سُكوتْ
مسارحُ الحروبِ في ضجيجِكم أفلامُ كرتون
وسيدُ النِزالِ دون كيشوت
أقولُ في انكِسارْ
وترحلُ الأقمارُ .. والأشعارُ ..
والربيعُ .. والنهارْ
( أوليس ) لم يزلْ مقاتِلا بلجةِ البِحارْ
لا لم يُغَيّرْ موقعا .. لكنَّهُ الحِصارْ
غطّى جفونَ الثائرينَ وشكَّ أصفادَه
أتُقاتِلُ التيارَ حينَ يقودُكَ التيارْ
عنقُ العبيدِ بقبضةِ السادة
( أوليس) لم يزلْ مقاتلاً بلجةِ البِحارْ
لم ينس أمجادَه
لكنَّهم شدّوا لأرزِ المكرِ بنلوبي
وشادوا من رُبى بيروت
حصانَ طروادة
عودوا إلى البيوتْ
أنا رأيتُها تموتْ
فراشةً تغشى حنينَ الضوءِ
والشعاعُ في خفوتْ
تسربَلتْ بخيطِ عنكبوتْ
وأُحكِمَ الحصارُ مثلَ فكِّ حوتْ
أنا رأيتُها تموتْ
مطعونةً بالحبِّ .. بالفداءِ .. بالشهيدْ
مذبوحةً من الوريدِ للوريدْ
وكنتُ يومَ قتلِها الشاهدَ الوحيدْ
رأيتُ في عيونِها بريقَ دمعتينْ
وذوبَ شمعتينْ
عليهما الشعاع ..
.. مرنحٌ حزينْ
يسائِلُ الأنينْ
أوَ ليسَ بعدَ هوةِ السفارِ من قرارْ
وأوسعتْ ضريحَها بحربةِ الشِعارْ
روما تعيدُ ملكَها العنيدْ
الموتُ للعبيدْ
ياسكةَ الآلامِ .. دربُ النزفِ
هل يفضي بنا لو مرةً
للعالمِ الجديدْ
العنقُ باتَ كمانْ
وحولَه الكُهانْ
تُرتَّلُ الصلاةُ والطقوسُ مثلَ عيدْ
فالقوسُ فوقَ الجيدْ
سكينةُ النشيدْ
وكنتُ يومَ ذبحِها الشاهدَ الوحيدْ
راحوا يغنونَ المساءْ
لشعرِها الطويلِ كالحرائرْ
وجدّلوهُ .. جدّلوا
وفيهِ كم تغزّلوا
وحينَ لاحَ أنّها حبلى بثائرْ
قيدوها بالضفائرْ
حاروا فساقوها إلى التلِّ الخضيلْ
من كلِّ صوبٍ أوفدوا سيفاً يقاتِلْ
حتى يضيعَ الدمُّ ما بينَ القبائلْ
مسلوخةً ممدة
وظلُّها .. غزالةٌ مشرَّدةْ
تبحثُ عن جذورِ النارِ
في مزارعِ الجليدْ
وكنتُ يومَ ذبحِها الشاهدَ الوحيدْ
يا صمتّها الجليلْ
يا وردةَ المحالْ
شموخُها مع الركوعِ للرحيلْ
إدانةُ الرجالْ
عودوا إلى البيوتْ
أنا رأيتُها تموتْ
رأيت قاتلَ الخصوبةِ .. القريبَ والبعيدْ
رأيتُ كيفَ أفرغَ الوريدَ
في زجاجةِ المفاوضةْ
رأيتُ كيفَ حزَّ نهدَها ودسَّهُ كلقمةٍ
لصيحةِ المعارضةْ
رأيتُ كيفَ شدَّ جلدَها على الطبولِ
يا فجيعةَ الحذرْ
وحينَ تُقرعُ الطبولُ باسمِها
نهبُّ علَّها تكونُ في خَطَرْ
بنلوبُ.. ياطعينةَ الرثاءْ
ماذا يقولُ الجرحُ للدماءْ
ماذا تقولُ الشمسُ للضياءْ
توحَّدَ الشعاعُ والظلامُ في الأصيلْ
والظلُّ والظليلْ
بلحظةِ الرحيلْ
وكنتُ يومَ سحقِها الشاهدَ الوحيدْ
إفادتي ياسادتيْ
مشفوعةٌ بأدلةِ الإثباتِ والقولِ السديدْ
لاتنظروا نحوي .. سأصمتُ من جديدْ
ما نفعُ صوتٍ جامح ٍ
ينأى عن التردادِ فيهِ مخافةً حتى الصدى
ويدسُّهُ الخفاشُ في التقريرْ
لن أخشى حبالَ الشنقِ أو طوقَ الحديدْ
لكنني في الصمتِ أنتظرُ القضاةَ
القادمينَ من الجموحْ
لا لن أبوحَ اليومَ إني لن أعيدْ
كي لا يموتَ فجأةً بصدفةِ القّدّرْ
الشاهدُ الوحيدْ.

أما زلت تحلم بالياسمين

أما زلتَ تحلمُ بالياسمين
ودربُكَ صخرٌ .. وشوكٌ .. وطين
ترفُّ جفونُكَ عندَ الصباحِ
رفيفَ الجناحِ
المسافرِ فوقَ الشعاعِ
بوهجِ التماعِ الأماني
وحلمِ الأغاني بفجرٍ جديد
ويبقى خيالُكَ حلما
وموعدُ حُبِكِ نجما
بعيدَ المنالِ .. كأنْ لن يحين
لِمَن أنتَ تُفني ارتعاشَكَ
تُخفي اندهاشَكَ
عن ضوءِ شمعِ الحنين
بصمتٍ يذوبْ
كأنَّ القلوبْ
تُحاصَرُ مثلك بالجُندِ والجوعِ والخائنين

.. أما زلتَ تحلمُ بالياسمين
وكنتَ تُغني الربيع
بأحلى الأناشيدِ تسقي الغراس
وقلتَ : العصافيرُ رمزُ الطفولة
وعشبُ الصمودِ مراعي البطولة
وبسمةُ حبٍ بثغرِ الرفاق
شعارُ التَفتُّحِ .. خصبُ التبرعُمِ
ضوءُ الحياةِ الجديدة
وها أنتَ تُصلبُ باسمِ الربيع
فينمو بزندِكَ سيفُ الشعاع
وتأتي عصافيرُ حُبِّكَ .. دربكَ
تنقرُ عينيكَ رغمَ التماعِ الأنين
أما زلتَ تحلمُ بالياسمين
هو الدودُ ينخرُ حتى الجذور
هي الريحُ تنبشُ حتى القبور
ألا ما أفقرَ النصرُ بين المرايا
تقاتلُ ظلَّكَ تهربُ منكَ الأصابع
تحطِّمُ وجهَ الخصومِ التوائمِ .. يغدو
جبينكَ تلَّ شظايا
تحاربُ قحطَ الدروبِ بسيلِ الخطايا
فتهربُ منكَ المزارع
وتحصدُ قمحَ الجراحِ فَمَنْ ذا سيدنو
لخبزِ الطريق
وقد خُمِّرَ الخبزُ مِن دمِّ جائع
ويعلو الضجيجُ فينسى هديرُ المراجلِ
يغلي غبارُ التدافعِ ..سيانَ
من يهملُ الخصبَ وسْطَ المداخن
هل كنتَ تهجو أمْ أنتَ المُدافِع ..!!
ستهربُ منك المصانع
لماذا تُساقُ الليالي لجرحِ الحنين
وتزرعُ نبضَكَ علَّ السنين
تشتِّلُ أفقكَ مزنَ صلابة
تحوِّلَ دفقَكَ هَطلَ سحابة
لكي ينبتَ الزهرُ للقادمين
... تُغني ولا أذنَ تُصغي .. وكم شوهوك
فصاغوا حنينَك مكرا
وصوتَك نُكرا
حريقُ النداءِ استباحَ الشفاه
وحتى الرنينُ يعودُ إليك
حزيناً ..حزين
أما زلتَ تحلمُ بالياسمين ..؟
وكم قلتَ ماتَ المُحال
وأكبرُ من كلِّ قهرٍ إباءُ النضال
تفحَّصْ مواتَ الزمانِ بعينيكَ
غزوَ السنينِ بوجهِكَ
فتشْ عنِ العمرِ قبلَ الزوال
ألم يُدركُ القلبُ بعدَ احتلالِ النحولِ
وبعدَ الهزال
بأنَّ الرغيفَ بهذا الزمانِ المجوِّع ِ
أكبرُ من كبرياءِ الرجال
متى يُخصب الفجرُ حُباً
وطلعُ البراعمِ نزفٌ وطين
وقد زيَّفَ المكرُ حتى هطولَ المطر
أما زلتَ تحلمُ بالياسمين
هو القحطُ غطّى جفونَ الحقول
كفى الحلمُ قهراً ..فماذا تقول..؟
... سأبقى أُغني بليلي الحزين
وأحلمُ بالزهرِ .. والضوءِ .. والياسمين
وحتى العصافيرُ إن جرحتني
وخطَّتْ بجفني مسيلَ النزيف
ستلمحُ ضوءَ الشعاعِ بعيني
وترجعُ يوماً لصدقِ الرفيف
أنا ما ولدتُ بأفقٍ ظليل
وأعلمُ أنَّ احتراقي طويل
وأني سأُقهَرُ .. أصلبُ ..أُكوى اشتياقا
.. وقد أرتمي فوقَ حُلمي قتيل
لأنَّ الخيامَ الجسورَ السجونَ الكمائن
على الجرحِ ظلت تضاريسَ شعبي
لأن الهويةَ كرتُ الإعاشة
لأنَّ الهمومَ ارتطامُ الجبال
لأنَّ احتراقَ الخلايا وقودُ الشتاء
وآهاتِ قهرٍ نسيمُ الهجير
لأنَّ زحوفَ الرمالِ العقيمة
تحاولُ سحقَ الربيعَ برحمِ التِلال
لهذا تكونُ الخيانةُ يأسَ الرجال
وصمتُ الغيومِ احتضانَ الجريمة
سأبقى أحبُّ المطر
وإنْ لطَّخَ الوحلُ حتى جفوني
هو الماءُ صافٍ بسكبِ انهمار
تعالوا نزيحُ الغُبار
من الأفقِ يندى شروقُ الربيع
لئنْ كانتِ الريحُ بالغدرِ أقوى
فخلي جذورَكَ في الأرضِ أقوى
وفيمَ التغني بحصنِ الدروع
إذا لم يكن حولَ جسمي نِصال
.. رفيقي إذا كانَ دربُكَ حلواً
شهياً طريَّ الرمال
فكيفَ نُسمي النضالَ.. نِضال
سأبقى أغنيكَ حباً رفيقي
بعطِر الحنين
أما زلتَ تكفر بالياسمين

من ترى يجمع أشلاء الزجاج

مقلةٌ أفقٌ ..
ونهدٌ رابيةْ
حلمة شحَّت..
وأخرى خابيةْ
ظهرُكِ العريانُ ياحبي
رمالُ الباديةْ
واحةٌ أمْ شامةٌ تلكَ التي
ما بينَ مهوى القرطِ والسفحِ
استفاقتْ لاهيةْ..؟
جفَّ ثغرُ العطرِ لكنَّ العيون
من دموعِ القهرِ سالتْ ساقيةْ
غابةٌ في الهدبِ والشعرُ الربيعيُّ
استراحتْ فيهَِ آلافُ الحقولْ
أنتِ موسيقى المعابدِ.. والأساطير القديمةِ
وارتعاشاتُ الذهول
لا ترفي هدبَكِ المجدولْ
لا ترفي هدبَكِ المجدولْ
تخطئُ الأرضُ المدار
إثمُ عينيكِ الكحيلةِ بالغسقْ
أنها تبقى على لونِِ الشفق
لاتبينُ الحقَ هل يأتي الضياء
أم ترى شمس المجرةِ
سوفَ يطويها الغرقْ
تخطئُ الأرضُ المدار..
إثمُ عينيكِ قوافي
أو منافي للنهارْ
أثلجَ الصيفُ وتاهت عن
روابيها الفصولْ
وحدَّ الموتُ انطلاقي ..
واحتراقي..
والتمنعَ.. والقبولْ
قاتلي وهمُ التلاقي
شارةٌ هذا النحولْ
لا ترفي هدبّك المجدول..
واكتفي .. لا يقتلُ المقتولْ...
... كيفَ جئتِ من السراب؟
ظالمٌ هذا العذابْ
.. قلتُ أخفي قلبيَ السكير
عن كأسِ الشرابْ
أختفي عن شمسِ حُبِكِ في الغيابْ
فلماذا كلما أمعنت في طعنِ
اشتياقي .. هبَّ موفورَ الشبابْ..؟
أين لي أن أدفُنَهْ..؟
سرُّ موتي واشتعالي
كيفَ لي أنْ أُعلِنَهْ..؟
سرُّ آلهةِ الربيع
كيفَ لي أن أسْجُنَهْ..؟
تهربُ الجدرانُ مني كلما أوصدْتُ
باباً إثرَ باب
كلما أمعنتُ في طعنِ اشتياقي
هبَّ موفورَ الشباب
أين أمضي فوقَ طيفِ الأمنية..؟
أين أمضي كي أواري الأغنية..؟
فهيَ تمطرُ في انسكاب
.. بحرُ عينيكِ ابتهالُ الأزمنة
وشكاوى.. وعتاب
ونشيدٌ من صقيع..
وقوافٍ ساخنة
بحر ُعينيكِ مرافي ماجنةْ
وعلى جفنيك آلافُ الفيافي مؤمنةْ
أنت حانات التعري تحت سقف المئذنة
...
كبلوني بالحنينْ
بحرُ عينيك ضحايا
موجُهُ هذا الأنينْ
من سوى قلبي لحبِّك
ممن سوى خطوي لدربكْ
أنت ثانية تكثَّفَ جرحُها
عبْر السنينْ
أنتِ ياحبي مرايا..
أنكرتْني حينَ كانت في صفاءٍ
ثمَّ ضمتني جراحا .. حين
خانوعا شظايا
من تُرى يجمعُ أشلاء الزجاج ..؟
بعد إحكام المطب
( تبت يدا أبي لهب وتب..
وامرأته حمالة الحطب )
أيها النيل المُرجّى في دمي
أينَ المصب ..؟
كنتَ غيَّرتَ الطقوس
ما الذي أغواك كي ترضى
بقربانِ العروسْ..؟
كاهنُ الأمواتِ أهداكَ الخطيَّةْ
عندما ألقى إلى القاعِ الضحية
كان في التابوتِ أكسيرُ الشموسْ
ثمَّ صاح الخاطئون:
نحنُ نبني دولة الأرقامِ والإيمانِ
في هذا الزمن
سرقوا منا حروفَ النفيِ
زاغتالوا .. لماذا .. واستباحوا لا .. ولن
إن تنادي : مَن تُرى أخفى رياحي..؟
ردَّت الأصداء : .. من ؟
ممن تُرى أشتى جراحي ..؟
ردت الأصداءُ : ..من ؟
جرَّحوا مكرا غشاء السمع في أذني
وسدوها شعاراتٍ بإسمنتِ الوطن
عبروا بالأغنيات الأفق في عيني
فسالت أدمعي تروي العبور
ركبوا في العينِ أحداقَ المَجاهر
كي أرى في جدولٍ طفلٍ
أساطيلَ البحور
ثم قالوا: كان في عينيك للرؤيا قصور
من تُرى يخفي سجلات الزمن ؟
ضجَّ من حلقِ المآدبِ نشحُ انتانِ العَفن
لا تلمني إن رفضت السمع والرؤيا معا
قبل أن يغدو صغيرُ النمل فيلا
ويغني في حِمانا الكركدن..
...
إن تراني أنكرت أفقي حدودي
وتمشي الزيف حتى في شهودي
كيف أخرجُ من كياني ؟
كيفَ أرحلُ عن وجودي؟
هاتِ لي قلبا جديدا
هاتِ لي وجها جديدا
هاتِ لي اسما جديدا
هاتِ لي فكرا مغاير
كي أقولَ عن الذي قد خانض دربي أنتَ ثائر
فأنا من مزقَتْ كفايَ وهمَ العنكبوت
لن أقول السترَ ياربي وأبقى في البيوت
فخذوا حريةََ الصمتِ اسحبوا مني
بقائي جارعاً كأسَ السكوت
وامنحوني القيدَ شدّوا
كي يهبَّ الرفضُ
أشدو .. وأموت

الفارس المخدر

أتيتُكِ فارسَ الفرسان
وأنتِ بخاطري صَهوة
أتيتُكِ حالماً بالدفءِ ضُميني
وخلّي طائرَ الشهوَة
يُعريني مِنَ الآثامِ والطينِ
لماذا الحزنُ يسبِقني
إلى عينيكِ يسبقني
إلى خدّيكِ يسبقني
إلى شفتيكِ يسبقني
أحاولُ أنْ أضمَّ الخصرَ
أسترخي ولا أقوى
أنا رجلٌ ..؟
أنا إعصارُ زوبعةٍ مِن الرغوة
ولكني فقدتُ معالمَ الاحساسِ بالنشوة
لأنَّ القهرَ يوميٌّ كفنجانٍ مِنَ القهوة
... أتيتُكِ فارسَ الفرسانِ مُحتدَّاً
ولكني أذلَّ صلابَتي السفرُ
وأخرسَ جَذوةَ البركانِِ في الترحالِ
نصلُ القهرِ..  والخطرُ
وحينَ وصلتُ خدَّرني انعكاسُ الضوءِ
في الأحداقِ بسّاما
يراقصُ دمعَكِ القمرُ
وبتُّ مغنيَّ الأشواقِ .. في الأشواقِ أفديكِ
دعيني مرةً ألهو بكفيكِ
وخليني على شباكِ عينيك
أراقبُ أفق أشرعتي التي غابت
وراءَ الموجِ أزمانا
أقضّي الليلَ مُنتظِرا
كما تقضِي مُراهِقة
تظنُّ حبيبها يأتي لحارتِها
ويرشقُ نظرةً عُجلى لشرفتِها
فتنبتُ في ضفيرتِها أزاهيراً وريحانا
... ولا يأتي
فتكبو فوقَ ساعدِها
ويبقى القلبُ سهرانا
... لقد أسرفتُ في حبي
فصارَ الخفقُ في قلبي
لريحِ البحرِ إدمانا
فأشرعتي التي أحيا لعودتِها
من الأحداقِ أكذوبة
وتلكَ الرايةُ الحمقاءُ أنْ آتي
إلى عينيكِ من عينيكِ دوّامة
بحبرِ الوهمِ مكتوبة
كخوّافٍ حلولً الموتِ منهمكٍ طوالَ العمر
يحُصي فيهِ أيامَه
متى كانت سواعِدُنا بغيرِ تعرِّقِ
الإجهادِ مشبوبة
متى كانت مراكِبُنا تُسيِّرُها رغابُ
الريحِ أُلعوبة
متى كانت أظافِرُنا تخافُ الصخرَ تستهوي
طلاءَ اللونِ تعويضاً عن القطراتِ مَسكوبة
رفاقي تعشقُ المجدافَ تبقرُ سرةَ التيارِ
والأكتافُ مَخضوبة
هنا شَطّي مكانَ الريحِ والأمواجُ مَرهوبة
فذاكَ الحلمُ للإبحارِ أغراني
وهذا القربُ من عينيكِ أعماني
وحددَ سمتَ أجفاني فأنساني
بأنّي فارسٌ قد جاءَ يُفري قيدَ محبوبَهْ
وأنَّ حبيبتي المازلتُ أبحِرُ في مَدامِعِها
على الأشواكِ مَصلوبة .

القاتل

ساترُ الوجهِ بشالِ الأنبياءْ
لاهثاً بالحبِّ يدنو في المساءْ
كانَ في كفيهِ خنجر
وعلى الثوبِ دماءْ
قالَ لي من أجلِ عينيَ سيبني قلعةَ
الضوءِ المولِّدِ للحقيقة
ورجاني باسمِ عهدِ الحبِّ تسليمَ
المصابيحِ العتيقةْ
فهيَ لن تكفي لردِّ الليلِ أو رفعِ الغطاءْ
وتبادلنا كؤوسَ الصدقِ والعهدِ المُعتَّقِ بالوفاءْ
ثمَّ مِنْ فرْطِ التأثرِ راحَ يجهشُ بالبكاء
راضياً أعطيتُهُ سرَّ الدروبْ
والمفاتيحَ وحباتِ القلوبْ
والمصابيحَ التي يبغي وبيَّنتُ المسالكْ
حيثُ أمي لم تزلْ تطهو بنارِ القهرِ
للأحبابِ والليلُ محاصِر
وتركتُهُ يغفو وساهرْتُ الرياح
حارساً حتى فراشَ الحُلمِ خلفَ النافذة
عند ثغرِ الصبحِ صلّى
أوصلتْْهُ حتى الحدود
ثم ودَّعني وَولّى
دونَ أنْ يكشفَ وجهَهْ
عدْتُ نحوَ الدارِ أشدو
فإذا أميَّ ثكلى
وإذا الأحبابُ قتلى
وإذا ْ دمعتان
وتذكرتُ دموعاً بثَّها الزائر في كأس الوفاء
2
جاءني عندَ العَزاء
ابنُ عمّي يتَحَسَّر
كيفَ تلُّ الفقراء
لم يذُقْ زيتاً وزعْتَرْ
ثم بلَّلني بموجِ اللومِ والتعنيفِ ممزوجاً
بآهاتِ النشيجْ
لم يَكنْ عني غريباً ذلكَ اللحنُ المرنَّحُ
في البكاءْ
فتفحصتُ القريبْ
كانَ في كفيهِ خنجرْ
وعلى الثوبِ دِماءْ