بقلم: أيمن أبو الشعر
حالة الحسد والغيرة والسعي لتدمير علاقات حب الآخرين موجودة عند شعوب الأرض قاطبة، ولكن بنسب متفاوتة حسب درجة تطور المجتمع في علاقاته الإنسانية عموماً، والعاطفية على وجه التحديد، ويلفت النظر أن الشعراء العرب، وخاصة القدامى كانوا في معظم الأحيان يتناولون في قصائدهم هذه الموجعات المؤرقة حتى تكاد لاتخلو قصيدة عن الحب من ذكر الحاسد والرقيب والعذول والواشي والكاشح (وهو مضمر العداوة من ذوي القربى)، وغيرهم ممن يسعون لإعاقة علاقة الحب وإفسادها، ولايتوانون عن إيصالها إلى حدود مأسوية قاسية كما حدث لديك الجن الحمصي الذي ـ حسب بعض الروايات ـ كان للواشين الملفقين الدور الأكبر في جنون شكه بجاريته التي أحبها إلى أن وصل به الأمر إلى قتلها ثم الندم على فعلته:
أعملت سيفي في مجال خناقها………ومدامعي تجري على خديها.
وكان الأمر أقسى بكثير عند شكسبير في عطيل حيث يلعب الواشي الملفق (ياجو) الدور المحوري في تصاعد الحدث والعزف على أعصاب وأحاسيس عطيل في أقسى تدمير مشاعري وممارسة سادية مفرطة ضمن مفارقات يحول فيها شكسبير ـ في رصد عقلية المؤامرة ـ الخيوط البسيطة الطبيعية فنياً إلى عقد متشابكة درامية تكمل عملية الإيحاء وتصل إلى تدمير عطيل نفسياً، ذلك البحار (المغربي) الشجاع الذي ينهار في حومة حالة مأسوية قاهرة، ويصل الأمر بالواشي الملفق والمفتري (ياجو) حد تلفيق الدلائل وخاصة المنديل بحيث يقنع عطيل أن ديدمونة خانته مع كاسيو ما دفع بعطيل إلى قتلها ثم إلى الانتحار بعد سطوع الحقيقة.
ويبدو أحياناً أن نجاح علاقة الحب بين عاشقين يغدو بحد ذاته الجسر الذي يعبر عليه أولئك الحساد والعذال حتى إن وجودهم نفسه يتخذ أحياناً مؤشراً لمدى جمال تلك العلاقة حتى في الشعر الشعبي كما يقول أحمد رامي بأداء أم كلثوم في رائعتها سهران لوحدي: (كان عهد جميل: حاسد و عزول..).. أليس في الأمر مفارقة جدية؟؟ العهد أو الزمن الجميل مقياسه وجود حاسد وعزول، والأمر هنا يدل بوضوح على مدى ترابط هذه الجوقة من المفسدين بمجمل قصة الحب حتى يمكن القول: إن هؤلاء المفسدين غدوا متكأ في بنية القصيدة، أو العمل الدرامي عموماً كأبطال محوريين (سلبيين) ضروريين لإتمام نسيج له نكهته التصاعدية المشوقة ومن البدهي أن هذه الظاهرة لها فعالية وسطوة كبيرة حياتياً لدرجة أن الشعراء في كثير من الأحيان يخترعون هذا العذول والواشي والرقيب حتى إن لم يكن موجوداً في الواقع للتعبير عن مدى خطورة تحقيق هذه العلاقة العشقية وصعوبتها وبالتالي جماليتها. وهي ظاهرة لايزال لها ظلالها في المجتمعات المعاصرة حتى وإن قل إلى حد كبير التعبير عنها شعرياً وبات تناولها متطوراً حسب معطيات الحياة المعاصرة نفسها.
والحديث عن الغيرة والحساد يبلغ أحياناً مدى رائعاً إلى حد يثير الدهشة في تنوع تناوله كما لدى المتنبي الذي استطاع أن يظهر الجمال غير العادي لحبيبته حتى دون أن يصفها مباشرة متكئاً على دور هذا البطل السلبي جاء ذلك في بيت واحد فسقط من خيال المتلقي البطل السلبي الذي يتحدث عنه ليسطع حسنها الذي جعل رسول المتنبي إليها يخونه مرغماً:
كلما عاد من بعثت إليها………غار مني وخان فيما يقول.
ونتيجة تأثير الرقباء والحساد نرى أن المحبين يحاولون خداعهم بكثير من الذكاء والتوقد من خلال مغالطتهم وإيهامهم بأنهم كشفوا السر وعرفوا من هو الحبيب فيسخرون منهم عبر النظر إلى غير المحبوب وكأنهم يضيعون أثر العسس أو المخبرين كما لدى عمر بن أبي ربيعة:
وإني لأهواها وأصرف جاهداً………حذراً عيون الناس عن بيتها عمداً
مما يذكرك أيضاً بما تغني فيروز لعمر بن أبي ربيعة نفسه:
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا………لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
ولايبقى للمحبين المحاصرين بالعيون من كل حدب وصوب إلا البحث عن مكان يعز أن تطوله عيون هؤلاء، مما عمق من استخدام الخلوة والأمكنة القصية والعصية في دغل أو مكان ناء أو مغار أو قفر أو وعر لاتقاء عيون الواشين كما في قول جميل بن المعمر على لسان حبيبته في حوار للاتفاق على موعد لغرام:
فقالت: أخاف الكاشحين وأتقي عيونا من الواشين حولي شهدا
لماذا يفعل الناس هذا، وهم أنفسهم يمكن أن يكونوا من العشاق أو ممن مرت بهم تجربة عشقية هل نتيجة حب عاثر يدفع للحسد مقارنة بنجاح قصة حب على مرأى من أعينهم؟ مما يذكر بقول أحمد رامي في رصد قصة موعد غرامي حيث يرق الحبيب فيحدد موعداً ولكن العاشق أو العاشقة تخفي عن الناس تماماً هذا الموعد..، لماذا تضطر إلى هجر كل خليل؟.. لأنها تخشى أن يكون بينهم (مظلوم بحبه ويحسدها).. أليس في الأمر مفارقة؟ هل هذا ديدن الناس كما يقول الشاعر السعودي عبد الله الفيصل في قصيدته الجميلة ثورة شك:
أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني
يقول الناس أنك خنت عهدي ولم تحفظ هواي ولم تصني..
إذاً ما يقوله الناس ليس عابراً إنه يكاد يوصل إلى الجنون والشيزوفرونية في تناقض الذات والتمزق الداخلي وحديثي هنا ليس عن النتيجة أي: الشك وثورته ـ فلهذا الأمر موضع وتناول آخران ـ بل عن المسببات والدوافع والأمر كما يبدو لي ليس مرضاً فردياً، إنه مرض (اجتماعي) معقد يمكن أن يصيب حتى المثقفين والمتطورين اجتماعياً وأولئك يصابون أحياناً بتأنيب الضمير فيتألمون وربما يصابون بأرق مزمن، ولكنه يصيب كذلك حتى أبسط الناس الذين لايدرون أحياناً حقيقة أن مايأثم به لسانهم قد يؤدي إلى كارثة بالنسبة لعاشقين، هكذا ببساطة ودون أية جريرة وربما ينامون على وسائدهم بهدوء وكأنهم لم يفعلوا شيئاً ناسين أنهم جعلوا العاشقين ساهرين دائماً على وسادة من نار.